الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

105

مرآة الحقائق

طريق المكر والاستدراك ، وقد قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ [ الشورى : 27 ] الآية ، وقوله الحق والعمل به واجب ، والحذر من المكر لازم ، وتفويض الأمر إليه فرض ، وطلب الكمال الحقيقي قدم صدق . في أواخر سورة آل عمران : قال اللّه سبحانه وتعالى حكاية عن بعض أدعية الأخيار : وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ [ آل عمران : 193 ] . اعلم أن المعيّة في الأصل بمعنى المعية الزمانية ، ومن الظاهر أن توفيهم إنما هو على سبيل التعاقب لا على سبيل المعية ، فحملها العلماء على المعية ، والمقارنة بأحوالهم الشريفة ، وصفاتهم اللطيفة ، فإن هذا التوفّي كالتوفّي معهم ، وبصحبتهم حكما في هذا المقام معنى أدق مما ذكر ؛ وهو إن جميع الأبرار كانوا في الصف الأول في عالم الأرواح لم يكن لأحدهم تقدم على الآخر ؛ فكأنهم الحلقة المفرغة ، ثم لمّا خرجوا إلى العين اقتضى الحكمة الإلهية التدريج في الظهور الخارجي ، فكان الزمان قد جرى على أشباحهم ، وصورهم الجسدانية لا على حقائقهم ، وصورهم الروحانية ؛ لأنه لم يكن في عالم الأرواح ليل ولا نهار « 1 » .

--> ( 1 ) قال سيدي محمد وفا في العروش : واعلم أن الزمان الأول المنفصل بالوقت ، المتّصل بالدهر زمان آدم عليه السّلام ، وآدم منار الحيطة الطبيعية ، ومحمول موضوعها ، وبما قام لتدبير هذه الكرة ، وتأسيس أحكامها وأقواتها وأوقاتها وأكنانها ووقايتها ، ثم تربّع زمانه في نفسه ( 1 ) ، فكان ما بين آدم إلى شيث تدبير المساحة والفلاحة ، نزل بأحكامها الروح الأمين في حجاب الباء المكين ، فحلّ إشكالها ، وفتح أغلاقها وأقفالها ، وسهّل نوالها ومنالها ، وأودع في حالها مآلها ، ثم الزمان الثاني ما بين شيث إلى إدريس بعث اللّه الروح القدس من حجاب الستر السرادقي العرشي ، فأحكم صنعة اللبوس والبناء ، وحجب العيون عن نظر العورة بحجاب القدرة ، وخلع خلع الجمال ، والزين على الأشخاص والأعيان ، والدمن . ثم ما بين إدريس إلى نوح ، كان ارتفاع الهمم بالنظر إلى الأفق السماوي ، وإعمال الفكرة في حكم التأثير الهوائي والمائي والناري ، وما أودع اللّه في الكواكب والبروج من أحكام وتأثيرات وحركات وتقديرات ، فتوجّهت الهمة الطلبية على النّجب السببيّة إلى أن خرقت آفاقها ، وفتحت أغلاقها ، واستخرجت أسرارها وأعلاقها . فبالأول : استنتاج أرواح النبات ، واستخراج ما فيها من أسرار الأقوات بما قال اللّه عزّ اسمه : -